محمد أبو زهرة
4496
زهرة التفاسير
وانغمسوا في دين الباطل ؛ ولهذا كان أكثر المستجيبين للّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم شبابا ، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم ولم يسلم منهم إلا القليل . هذا هو الوصف الأول الذي وصف اللّه به أهل الكهف ، أما الوصف الثاني ، وهي نتيجة لسلام الطوية أنهم اتجهوا إلى اللّه تعالى بقلب محسّ بقدرة اللّه ومعجزته ، وبأنه سبحانه وتعالى المنعم الهادي دون غيره فقالوا : رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً نادوا ربهم قائلين ، رَبَّنا ، أي الذي خلقتنا وكونتنا وطهرت قلوبنا ، وخلصت نفوسنا من الشرك وأوهامه ، آتِنا مِنْ لَدُنْكَ ، من حضرتك القدسية ، وخزائنك التي لا تنفد ، رَحْمَةً وإنعاما وتوفيقا ، وسلوكا مستقيما ، ودواما للتوفيق . ورحمة اللّه وسعت كل شئ وهي تعم كل حياة الإنسان ، والدعوة الثانية المنبعثة من إيمان عميق موجه ، وإذعان صادق يملأ القلب نورا ، وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً ، أي الأمر الذي اخترناه لأنفسنا من الإيمان في وسط الوثنية ، والرشد هو إدراك الأمور إدراكا مستقيما لا عوج فيه ، وهذا الطريق المستقيم يقتضى تجنب الشرك وطلب الحق ، والابتعاد عن كل مهاوى الرذيلة ، والاتجاه إلى طريق الفضيلة ومحاسن الأخلاق ، وألا يكون شطط ولا إفراط ، ولا تفريط ، إلا أن يدفع إلى ذلك الحق وتجنب الهوى . يظهر أن أولئك الفتية طوردوا حتى أووا إلى الكهف ، فالإيواء لا يكون إلا عن منازعة يحسون فيها بأنهم لا قبل لهم بمن يريدون أن يفتنوهم عن دينهم ، وقد كان ذلك واقعا في عهد اضطهاد النصارى ، كما أشرنا وكما بينا في غير هذا الكتاب « 1 » . وإن النوم يكون فيه سكون النفس ، ولقد أنامهم اللّه سنين عددا لينجوا بدينهم ، وليكونوا حجة حسية على البعث ، وليكونوا من آيات اللّه تعالى في الوجود . فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ( 11 ) .
--> ( 1 ) راجع كتاب محاضرات في النصرانية للإمام محمد أبو زهرة .